Salah Taggaznotes & réflexions
Spiritualité,  Société

المولد النبوي الشريف

Auteur

Salah TAGGAZ

Publié le

المولد النبوي الشريف 

المولد النبوي الشريف: مقاربة نسقية بين فقه النص والواقع والمآلات

من الاختلاف حول الشكل إلى التفكير في المنظومة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، الرحمة المهداة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

فإن الحديث عن المولد النبوي الشريف غالبًا ما يبدأ بسؤال فقهي مباشر:

«هل الاحتفال بالمولد النبوي جائز أم بدعة؟»

ولا شك أن هذا السؤال مشروع، وأن البحث في أدلته وآراء العلماء أمر مهم. غير أن الاقتصار عليه قد يجعلنا ننظر إلى القضية نظرة جزئية، فنفصلها عن محيطها الأوسع، وعن واقع الإنسان والمجتمع، وعن الوظيفة التربوية والحضارية لذكرى رسول الله صلى الله عليه و سلّم.

ومن هنا اقترح تناول الموضوع وفق المقاربة النسقية  ذلك ان هذه المقاربة لا تنظر إلى الظاهرة باعتبارها عنصرًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من منظومة تتكون من عناصر متعددة، متشابكة العلاقات مما يجعلنا لا ننظر للمولد النبوي باعتباره مناسبة دينية نختلف في حكم الاحتفال بها بل باعتباره فضاءًا تتفاعل داخله النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية والواقع المعاصر وشخصية المسلم و حاجته إلى القدوة دون ان ننسى البناء النفسي والفكري والعلاقات الاجتماعية ووحدة المجتمع والنتائج المستقبلية المترتبة على طريقة تعاملنا مع المناسبة.

ومن هنا فإن السؤال الذي يطرح  ليس نحتفل أو لا نحتفل بل ماذا نريد أن نحقق من استحضار ذكرى رسول الله صلى الله عليه و سلّم وكيف يمكن أن تتحول هذه الذكرى إلى عنصر إيجابي في بناء الإنسان والمجتمع؟


أولًا: تحديد عناصر المنظومة


تتكون منظومة المولد النبوي الشريف من خمس عناصر رئيسية:

1. المرجعية وتشمل القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة والتراث الفقهي واجتهادات العلماء. و تمثل هذه المرجعية الإطار الذي يمنع الانحراف عن أصول الدين.

2. الإنسان فالإنسان هو محور العملية كلها. وهو ليس عقلًا فقط، بل هو عقل. وقلب ونفس وذاكرة ومشاعر و حاجات وعلاقات.

ولأن  الخطاب  الذي يخاطب العقل فقط او العاطفة فقط قد يكون ناقصًا فالمنهج النبوي يخاطب الإنسان باعتباره وحدة متكاملة.

3. الواقع ونحن نعيش اليوم واقعًا مختلفًا عن العصور السابقة فواقعنا يتميز بسرعة المعلومات و تعدد المرجعيات وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار ثقافة الصورة بالإضافة إلى البحث عن الشهرة وضعف بعض الروابط الأسرية.

مقابل التأثر السريع بالمؤثرين في ظل الأزمات النفسية والفكرية والشعور بالاغتراب لدى كثير من الشباب.

ولهذا لا يمكن أن نقدم السيرة النبوية اليوم بالطريقة نفسها التي كانت تقدم بها في كل عصر، من حيث الوسائل والأساليب، مع الحفاظ الكامل على ثوابت الرسالة.وهنا يظهر دور فقه الواقع.

4. المجتمع فالإنسان لا يعيش منفصلًا.فهو  يعيش داخل خلايا مجتمعية متعددة و متشابكة يمكن حصرها في الأسرة والمدرسة والحي و الجماعة والوطن والأمة.

ولذلك فإن أثر أي خطاب لا يتوقف عند الفرد، بل يمتد إلى المجتمع منعكسا عليه سلبا و ايجابا 

5. المستقبل والمآلات او فقه المآلات فلا يكفي أن نسأل ما حكم هذا الأمر؟»بل ينبغي أن نسأل ايضاً إلى ماذا يمكن أن يؤدي؟

وهذا لا يعني تغيير الأحكام من أجل النتائج، ولكنه يعني أن طريقة التنزيل والخطاب والتعامل مع الخلاف يجب أن تراعي النتائج المتوقعة.


ثانيًا: الخلاف الفقهي باعتباره عنصرًا داخل المنظومة


ان اختزال المولد النبوي في الخلاف الفقهي خطا منهجي ذلك ان الخلاف الفقهي عنصر من عناصر المنظومة، و ليس المنظومة كلها.

ان الذي يرى في الاحتفال بدعة صاحب موقف له أصوله وأدلته ومنهجه كما ان من يرى الجواز أو الاستحباب بضوابط له كذلك اصوله و أدلته و منهجه


ثالثًا: أين الخلل النسقي في إدارة الخلاف؟


فالمشكلة ليست دائمًا في وجود الخلاف ولكن المشكلة تظهر عندما يتحول الخلاف في جزء من المنظومة إلى عنصر يسيطر على المنظومة كلها.

فعندما تصبح قضية المولد سببًا للحكم على النيات و التشكيك في محبة المختلف للرسول صلى الله عليه و سلم والتبديع المتبادل والخصومات وتمزيق المجتمع نكون أمام خلل نسقي.لأننا جعلنا الجزء أهم من الكل.

فالهدف الأكبر هو معرفة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ومحبته، واتباعه أما كيفية إحياء الذكرى، فهي محل اجتهاد عند من اختلف فيها والمنهج النسقي يفرض علينا أن نسأل:

«هل طريقة إدارتنا للخلاف تحقق المقصد الأعلى أم تفسده؟»


رابعًا: فقه الواقع: لماذا نحتاج اليوم إلى استحضار القدوة النبوية؟


إذا نظرنا إلى واقع الإنسان المعاصر نجد أزمة كبيرة في موضوع القدوة فلقد أصبح الشباب يتأثرون يوميًا بنماذج مختلفة على سبيل المثال لا الحصر المشهر والرياضي والفنان وصانع المحتو إلخ … وهذه النماذج تقدم تعريفات مختلفة للنجاح مثل الشهرة والمال والقوة وعدد المتابعين والقدرة على التأثير. إلا أن الإنسان يحتاج إلى نموذج يجيب عن سؤال أعمق:

«كيف أنجح دون أن أفقد إنسانيتي؟» وهنا تظهر أهمية النموذج النبوي.

فرسول الله صلى الله عليه و سلم  يقدم نموذجًا يجمع بين عناصر تبدو متناقضة:

- القوة والرحمة.

- القيادة والتواضع.

- العبادة والعمل.

- الثبات والمرونة.

- العدل والعفو.

- المسؤولية والعاطفة.

وهذه القدرة على الجمع بين المتقابلات هي ما يجعل القدوة النبوية ذات أهمية كبيرة في بناء الإنسان.


خامسًا: القدوة وتأثيرها في البنية السيكولوجية للفرد (يتبع)

Commentaires

Soyez le premier à réagir à cet article.

Laisser un commentaire

Votre email ne sera jamais publié. Les commentaires sont relus avant d’être mis en ligne.